مريم انهارت وقعدت على ركبتها في ممر المستشفى الأبيض البارد، ساندة ضهرها على الحيطة ودافنة وشها بين إيديها وبتشهق. محمود قرب منها، قعد جنبها على الأرض ومسافة متر بينهم، باصص للحيطة اللي قدامه وبيمسح وشه بإيدين مرتعشة. الممر كان خالي تماماً مفيش فيه غير صوت تكتكة الساعة المعلقة وبكاء مريم. بعد ربع ساعة من الصمت القاتل، مريم رفعت راسها وبصت لمحمود بعيون حمرة ومنتفخة:— لو حصله حاجة يا محمود.. مش هسامحك ليوم الدين.
مش هسامحك على كل يوم بعدت فيه، وكل لقمة ناشفة بلعها بمية عشان مفيش لبن، وكل ليلة نمنا فيها بنرجف من التلج وإنت نايم في التكييف ومصدق إننا عايشين في جنة. محمود ما رفعش عينه، قال بصوت مبحوح ومكسور لأول مرة في حياته:— عندك حق.
ومطلبتش تسامحيني.. أنا مستعد أدفع تمن ده عمري كله. بس نوح يقوم.. نوح يقوم وأنا هعمل كل اللي تطلبيه. لو عايزاني أختفي من حياتكم بعد ما أأمنكم طول العمر، هختفي. لو عايزاني أسيبلك كل مليم بملكه باسمك واسم نوح وأمشي بهدومي اللي عليا، هعملها قبل الصبح.
مريم بصت له بقهر:— هو إنت فاكر إن الفلوس بترجع اللي راح؟! الفلوس هترجع سنين طفولته اللي ضاعت وهو فاكر إن أبوه رماه عشان مبيحبوش؟! الفلوس هتمسح من دماغه نظرة العيال في الشارع لما كانوا بيعايروه بجزمته المرقعة؟!محمود قفل عينيه وأسنانه بتكز بقوة، والدموع بتسيل على خده في صمت.
في اللحظة دي، ممرض خرج بسرعة من باب الرعاية المركزة، وشه كان قلقان وهو بينادي:— والد الطفل نوح محمود الشاذلي فين؟!محمود ومريم وقفوا في نفس اللحظة برعب، وجريوا عليه:— إحنا! نوح حصله إيه؟! انطق!
الممرض بلع ريقه وقال وهو بيبص في الملف اللي في إيده:— النبض بتاعه هبط فجأة وعنده ارتشاح حاد على الرئة، استشاري القلب والصدر جوه، ومحتاجين موافقة فورية وتوقيع على إقرار لعملية بذل سريعة وتركيب جهاز تنفس صناعي كامل.. التدخل لازم يحصل في خلال خمس دقايق وإلا عضلة القلب مش هتستحمل!
مريم صرخت صرخة مكتومة ووقعت في الأرض مغمى عليها من الصدمة، ومحمود مسك القلم اللي حطه الممرض قدامه، ونفس القلم اللي كان الصبح رايح يمضي بيه على ورق تصفية أملاكه، لقى نفسه دلوقتي بيمضي بيه على إقرار حياة أو موت لابنه الوحيد.
مضى محمود على الإقرار وإيده بترتعش بعنف، الحبر سال على طرف الورقة من كتر الضغط. الممرض خطف الورقة وجرى لجوه، والباب المقفول اتصد من تاني وصوت الأجهزة وأجهزة الإنذار جوه الرعاية المركزة كان واصل للممر بوضوح يخلع القلوب. محمود انحنى في ثانية على الأرض، شال مريم وسندها على أقرب شلتة انتظار، نادى التمريض اللي جابوا ريحة نشادر وجهاز ضغط.
مريم بدأت تفوق ببطء، وشها مكنش فيه نقطة دم، وأول ما فتحت عينيها لقت سقف المستشفى الأبيض، افتكرت نوح فصرخت صرخة مبحوحة من غير صوت وهي بتضرب على صدرها:— ابني… يا رب خد من عمري وإديله، يا رب متحرمنيش منه ده كل اللي ليا في الدنيا!محمود ركع قدامها، مسك إيديها الاتنين بقوة تمنعها من إيذاء نفسها، وعينيه كانت غرقانة دموع:— هيرجع… قسماً برب العزة هيرجع، نوح قوي وعاش مستنينا، مش هيمشي ويسيبنا يا مريم، ادعي له… ارجوكي متنهاريش عشان لما يفتح عينه يلاقيكي قدامه.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.