مريم سحبت إيديها منه بقسوة، وغمضت عينيها وهي بتترعش، وبدأت شفايفها تتحرك بآيات قرآنية وأدعية مابتنقطعش، وصوت شهقاتها المكتوم كان مالي الطرقة. مرت ساعتين كأنهم دهر، كل دقيقة فيهم كانت بتمر على محمود كأنها محاكمة علنية لضميره. بص لإيديه اللي بتدير مليارات ولقى إنها عاجزة تشيل ميكروب من صدر طفل عنده ٩ سنين، بص لكل السنين اللي ضاعت وهو بيطارد عقود ومشاريع وساب أغلى مشروع في حياته يضيع في عشة صفيح تحت المطر.
الساعة كانت داخلة على خمسة الفجر، لما اتفتح باب الرعاية المركزة ببطء. خرج رئيس الفريق الطبي، قالع الماسك الطبي وماسكه بإيده، وباين على وشه إرهاق شديد وعرقه مالي جبينه. محمود ومريم قاموا في نفس اللحظة، خطواتهم كانت بتتسابق، قلوبهم كانت هتقف من الرعب، ومريم مسكت في كم بالطو الدكتور وهي بتنهج من غير كلام، مش قادرة حتى تنطق السؤال.
الدكتور بص في عيونهم، واتنهد تنهيدة طويلة وبعدها رسم ابتسامة هادية:— الحمد لله… قدر ولطف، عملية البذل نجحت، وسحبنا كمية المية اللي كانت ضاغطة على الرئة الشمال.
النبض استقر، ونسبة الأكسجين بدأت ترفع تدريجياً، ودلوقتي بيتنفس بشكل شبه طبيعي بدون جهاز التنفس الصناعي الكامل، حاطينه بس على سبورت خفيف. عدينا مرحلة الخطر الحرجة تماماً. مريم نزلت سجدت على أرض الممر في ثانية، مسحت جبينها في الأرض وهي بتبكي بصوت عالي: "الحمد لله.. الحمد لله يا رب.. لك الحمد حتى ترضى".محمود حس بكتفيه كأن جبل انزاح من عليهم، ساب الحيطة تسنده ومسح وشه بإيديه وهو بيتنفس بعمق بعد ساعات من الموت البطيء.
الدكتور ربت على كتف محمود وقال:— الولد جسمه ضعيف جداً ومناعته متدمرة من سوء التغذية وبرودة المكان اللي كان فيه، هو محتاج رعاية مركزة يومين تلاتة هنا تحت الملاحظة، وبعدها فترة نقاهة في مكان دافي وبيئة صحية مع تغذية علاجية، عشان ميرجعلوش الانتكاس تاني.
محمود رد بصوت واثق بعد ما استعاد جزء من اتزانه:— كل اللي يحتاجه، لو عايز المستشفى كلها تتفرغ له، جهزله أحسن جناح وأكبر طاقم تمريض، مفيش جنيه هيتوفر. الدكتور هز راسه:— تقدروا تشوفوه خمس دقايق من ورا القزاز، هو نايم تحت تأثير المهدئ دلوقتي.
مشيت مريم بخطوات بطيئة ناحية القزاز الكبير الفاصل بين الممر وسرير نوح. وقفت حاطة كفوفها الاتنين على القزاز، بتبص لنوح اللي كان متغطي ببطانية بيضا ناعمة، نايم بهدوء، ومفيش غير خرطوم أكسجين خفيف تحت مناخيره ومحاليل في إيده. لأول مرة من سنين تشوف وشه مرتاح ومش كاشش من السقعة، ولا فيه أثر للوجع اللي كان في عينيه الصبح.
محمود وقف وراها بخطوتين، باصص لابنه، ودموعه ساكتة. في اللحظة دي، جاله المستشار عصام ومعاه اتنين من المحامين الكبار في الشركة، وكان باين على وشوشهم التعب بس في عينيهم نظرة انتصار قانوني كامل.
عصام شاور لمحمود يخرج برا الممر الهادي عشان يتكلموا. محمود خرج وبص له بجمود:— الأخبار إيه يا عصام؟المتر عصام فتح شنطة جلد سودا وطلع منها رزمة دوسيهات مختومة:— رامي وقع على كل حاجة بلسانه وبإيده وتحت تسجيل صوت وصورة وبحضور موثق الشهر العقاري اللي جبناه للمقر.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.