حكايات بسمه1قصصوحكايات روماني مكرم

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

إنت ناوي على إيه بعد كل ده؟محمود سكت لثواني، بص لنوح النايم، وبعدين رجع بص لمريم، وكانت في عينيه نظرة راجل عارف إن القرار اللي جاي مش بتاعه لوحده، بل هو الحكم النهائي على حياته كلها.

محمود بص في عيون مريم المتعبة، ووطى صوته لأهدى درجة ممكنة:— أنا ناوي على اللي إنتِ تقرريه. الورق ده مش رشوة عشان تسامحيني، ولا تمن للي شوفتوه. ده حقكم الطبيعي اللي كان مسروق منكم. بعد ما نوح يخرج بالسلامة ويقف على رجليه، لو قولتيلي اختفي ومشوفش وشك تاني… همشي، وهكتفي إني أطمن عليه من بعيد لبعيد، ومش هقرب من حياتكم خطوة واحدة غير بإذنك.

مريم فضلت باصة للورق اللي في إيدها، وبعدين بصت له ومردتش. لفت وشها وسندت جبينها على القزاز من تاني وهي بتراقب حركة صدر ابنها.

مرت تلات أيام في المستشفى. في اليوم الرابع، نوح اتنقل لجناح عادي، وبدأ يسترد لونه الوردي تدريجياً. محمود مكنش بيفارق المستشفى؛ جاب مكتبه وأوراقه وقعد على كرسي صغير في ممر الدور، ميدخلش الأوضة إلا لما نوح يصحى ويكون دايماً واقف جنب الباب، محترم المسافة اللي مريم فرضتها عليه بصمتها.

الظهر، الشمس كانت مفرودة في الأوضة ودافية. نوح كان قاعد على السرير ساند ضهره على المخدات، وبياكل شوربة دافية مريم بتأكلها له بالمعلقة. الباب خبط براحة، ومحمود دخل خطوتين وهو ماسك علبة كرتون كبيرة متغلفة.

نوح أول ما شافه، عينيه لمعت بفضول طفولي، ونزل عينه للعلبة:— ماما… هو ده القلم اللي في جيبه؟محمود ابتسم بألم، وحط إيده على جيبه، وطلع القلم اللي كان ناوي بيه يوقع على تقسيم الممتلكات ويقفل الصفحة كلها، وحطه على الكمودينو جنب السرير:— القلم أهو يا نوح… بس مش ده اللي في العلبة. قرب محمود وحط العلبة على رجل نوح بالراحة:— افتحها إنت.

نوح فك الشريط بسرعة، وفتح الكرتونة، وشه نور فجأة وصرخ بفرحة طفولية خلت مريم تبتسم غصب عنها؛ كانت عربية لعبة كبيرة بتتحكم عن بعد، كاملة عجلاتها الأربعة، مش ناقصة ولا مكسورة زي عربيته القديمة. ومع العلبة، كان في ماكينة خياطة إلكترونية حديثة جداً ومغلفة، الحراس طلعوها وحطوها في زاوية الأوضة… ماكينة شبه القديمة اللي مريم باعتها، بس بأحدث إمكانيات. نوح حضن العلبة ورفع عينه لمحمود بتردد:— هي دي بتاعتي بجد؟ ومش هتبوظ من المطر؟

محمود ركع على ركبتيه قدام السرير، ومسك كف ابنه الصغير وباسه:— مفيش مطر تاني يا نوح… بيتك اتفتح، وسقفك حديد، ومفيش نقطة مية هتنزل عليك طول ما أنا بتنفس في الدنيا. نوح بص لأمه، كأنه بيستأذنها يصدق، وبعدين مد إيده الصغيرة التانية ولمس كتف محمود:— بابا… إنت هتسافر تاني وتسيبنا؟السؤال كان سهم دخل في صدر محمود، عينه دمعت وهو مش عارف يرد بإيه، فبص لمريم بعجز.

مريم كانت ساكتة، شافت نظرة الراجل اللي هجر سنين ورجع يهد الدنيا كلها عشانهم، شافت الانتقام اللي خده من رامي ورجّع بيه كرامتهم قبل فلوسهم، وشافت لهفته على ابنه وهو سهران تلات ليال في الممر مبيغمضش عينه. قامت مريم من جنب السرير، مشيت لحد ماكينة الخياطة، لمست السطح الأملس بإيدها، وبعدين لفت لمحمود وقالت بصوت هادي وواضح:— السنين اللي فاتت مفيش فلوس ولا اعتذار هيمسحها يا محمود… الوجع كان كبير، والشرخ اللي حصل مبيخفش في يوم وليلة.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
مس

محمود سيد ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
103مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

ادهم وليلي روايات

ادهم وليلي

ست سنين وأنا بالنسباله مجرد إيده اليمين الست اللي عارف عنها كل حاجة، وبتحلّ له كل مشاكله ق…

محمود سيد 0.0 7 دقائق