لما محمود وصل المدق الترابي، كانت الشمس بدأت تغرب، وسما القاهرة الرمادية بتنذر بموجة مطر جديدة. ورا عربيته، كانت ماشية عربية دكتور الأطفال، وعربية نقل مقفولة فيها أطقم جديدة من البطاطين والملابس والأدوية السريعة. العربية وقفت قدام عشة الصفيح. محمود نزل، وطلب من الدكتور يستنى دقيقة في العربية لحد ما يدخل الأول. أول ما زق الباب الخشب الضعيف، اتفاجئ بمشهد خلى الدم يجمد في عروقه من القلق؛
مريم كانت قاعدة على الأرض جنب لوح الخشب، حاطة راس نوح على حجرها وبتبكي بحرقة وبتعمله كمدات بمية ساقعة من الجردل، والولد وشه كان أصفر شاحب كأنه ورقة، ونَفَسه طالع بصوت حشرجة عالي ومكتوم وصدره بيعلى ويهبط بصعوبة. محمود جرى عليهم وركع على ركبه في الطين من غير ما يفكر:— مريم!
نوح ماله؟! حصله إيه؟!مريم رفعت وشها الباكي، وكان فيها مزيج مرعب من الغضب والعجز:— مش قولتلك جاله التهاب رئوي؟! حرارته بتولع من ساعة ما مشيت، مش قادر ياخد نفسه يا محمود! مش قادر!
محمود مد إيده ولمس جبين ابنه، كانت النار طالعة منه، والولد عينيه متغربة، شفايفه زرقت ومش قادر يفتح جفونه. محمود صرخ بأعلى صوته ناحية الباب:— يا دكتور! ادخل بسرررعة!دخل الدكتور شنطته في إيده، ومجرد ما بص لنوح وحط السماعة على صدره، ملامح وشه اتغيرت تماماً:— تشبع الأكسجين واقع خالص يا باشمهندس، الصدر مقفول والولد في مرحلة حرجة ومحتاج مستشفى فوراً وحضانة تنفس، أي دقيقة تأخير هنا خطر على حياته!
محمود ما استناش، مد إيديه الاتنين وشال نوح بالراحة من على حجر مريم، لفه في البطانية التقيلة اللي جابها معاه، وحضنه لصدره بكل قوته كأنه بيحاول يزرع دقات قلبه جوه صدر ابنه الصغير. الولد حس بحضن أبوه، وطلع منه أنين ضعيف وصوته مبحوح:— بـ.. بابا؟ سقعان.. أوي. دموع محمود نزلت على جبين ابنه المولع نار:— أنا هنا يا روح قلب أبوك، مسافر خلاص.. مش هتسقع تاني أبداً، والله ما هتسقع تاني.
بص لمريم وقال بحزم ممزوج بلهفة:— مريم، قومي، مفيش وقت للكلام ولا للعتاب.. نوح بيموت!مريم رمت الطرحة على راسها وطلعت وراه وهي بتترعش ومش شايفة قدامها من الدموع. ركبوا العربية، ومحمود حط نوح في حضن مريم في الكنبة اللي ورا وقعد جنبهم، والدكتور بدأ يركبله ماسك أكسجين متنقل وأنبوبة محاليل سريعة، وصرخ محمود في السواق:— على المستشفى الأمريكي.. كلم الإدارة يفتحوا غرفة الرعاية المركزة حالا، اللي هيعطلنا في إشارة هفرمه بعربيتي!
طول الطريق، مريم كانت ضامة نوح وبتدعي بهستيريا، ومحمود ماسك إيد ابنه التانية الصغيره وبيبوسها وهو بيترعش، وكل ثانية كانت بتمر كأنها سنة. تليفون محمود فضل يرن، كان المتر عصام ومعاه أجهزة الأمن اللي بدأت تحاصر بيوت ومقرات رامي، لكن محمود طفى التليفون ورماه على التابلوه؛
الدنيا كلها كانت تافهة قدام نَفَس واحد يطلع من صدر نوح. وصلت العربية قدام طوارئ المستشفى، وكان في انتظارهم ترولي جاهز وطاقم طبي كامل. سحبوا نوح بسرعة ودخلوا بيه على غرفة الرعاية المركزة للأطفال، والباب الأوتوماتيكي المقفول بإحكام اتسد في وش محمود ومريم، واتعلقت يافطة "ممنوع الدخول".
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.