والآن أمامه تقف طفلة وتعده بالمستحيل. كان ينبغي أن يأمر بطردها من القاعة فورا. كان عليه أن يعيد النظام بضربة واحدة من مطرقته لكن شيئا ما منعه. ربما كانت الفضول وربما ذكرى بعيدة عن زمن كان يؤمن فيه بأشياء أخرى غير القانون. رفع والتر يده فخمد الضجيج في القاعة فورا.
حرك كرسيه المتحرك مقتربا قليلا من حافة المنصة وحدق في الطفلة ببرود
حسنا يا صغيرة قال بنبرة يغلفها السخرية. لديك بالضبط دقيقة واحدة لتبرهني ما تقولين. وعندما تفشلين وعندما تدركين أنك تعيشين في عالم من الخيال الطفولي ستتعلمين درسا مهما. الواقع لا ينحني أمام الوعود الفارغة.كانت التوترات ملموسة في الهواء.
كل العيون كانت مثبتة على سيسيليا. أخذت الصغيرة نفسا عميقا ومسحت سريعا دمعة عن خدها وبدأت تمشي باتجاه منصة القاضي. كل خطوة لها كانت تسمع في الصمت. المحكمة التي كانت منذ لحظات تمتلئ بالضحك أصبحت الآن تتابع المشهد بمزيج من عدم التصديق وفضول مريض.
بعضهم كان ينتظر بفارغ الصبر اللحظة التي ستفشل فيها الطفلة. لكن قلة قليلة شعرت بضيق في صدورها كأنهم يحسون أن شيئا ما على وشك الحدوث. توقفت سيسيليا أمام الكرسي المتحرك. كانت صغيرة إلى حد أنها اضطرت إلى رفع رأسها بالكامل لتلتقي بعيني والتر.
ثم بشجاعة لا تليق بسنها الصغيرة مدت يديها نحوه. عليك أن تصدق قالت بصوت رقيق ولكن ثابت. إن لم تصدق لن يحدث شيء. أطلق والتر ضحكة قصيرة جافة مرة
أصدق يا صغيرة لقد آمنت بأشياء كثيرة من قبل وخذلتني جميعا. لكن سيسيليا لم تستسلم.
أغمضت عينيها ووضعت يديها الصغيرتين برفق على ركبتي القاضي المشلولتين. كان اللمس خفيفا شبه مهيب ثم همست بشيء منخفض لدرجة أن والتر وحده سمعه
أرجوك دع أبي يبقى معي. في تلك اللحظة بالتحديد تغير شيء ما. شعر والتر بذلك. لم يكن وخزا ولا ألما بل إحساس مختلف.
إحساس غريب يكاد يكون منسيا كما لو أن مكانا كان ميتا تماما بداخله بدأ يستيقظ. حاول أن يتجاهل حاول أن يضحك مجددا لكن صوته خانه. قبضت يداه على مسندي الكرسي بقوة ولأول مرة منذ وقت طويل شعر القاضي الذي لا يرحم بالخوف. ظل الصمت يحكم القاعة.
لم يجرؤ أحد على التنفس بصوت عال. وفي مركز هذا المشهد المستحيل كانت طفلة في الثامنة من عمرها تمسك بآخر أمل لإنقاذ والدها وتواجه المستحيل بشيء لا تملك سواه إيمان صاف خالص. كان الصمت في المحكمة خانقا ثقيلا كأن الهواء أصبح كثيفا يصعب استنشاقه.كل الأعين كانت معلقة بتلك الصورة غير المعقولة طفلة في الثامنة ويداها موضوعتان على ركبتي أكثر قضاة المدينة رهبة.
كانت سيسيليا مغمضة العينين شفاهها تتحرك في همسات لا تسمع. أنفاسها هادئة لكن يديها ترتجفان قليلا. لم تكن تعرف ماذا تفعل بالضبط لكنها كانت تشعر بأن عليها أن تفعل ذلك.
يقين عميق غامض كان يخفق في قلبها الصغير. أما والتر فكان أبعد ما يكون عن الهدوء. وجهه الذي كان عادة قناعا من البرود بدأ يظهر توترا واضحا. عرق بارز انتفخ في صدغه وقطرات من العرق بدأت تتشكل على جبينه. كان يضغط على مسندي الكرسي بقوة جعلت مفاصل أصابعه تبيض.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.