أنا أمي على راسي هخدمها بره بيتي وأبعتلها أكلها ومصاريفها، بس الشقة دي حور وبنتي سيداتها، ومحدش ليه كلمة عليهم بعد النهاردة!” الخال طأطأ راسه، وبص لي وقالي بأسف: “سامحينا يا أختي.. الحق معاكي ومع جوزك.” وأخد بعضه وخرج ووراه إخوات يونس، والكسرة باينة عليهم جميعاً. أول ما الباب اتقفل، يونس التفت لي، وكانت عينيه مليانة دموع، قرب مني ونزل على ركبه قدامي قدام مكة، ومسك إيدي وقالي بصوت مكسور: “أنا قفلت كل الأبواب اللي ممكن يجي منها الريح يا حور.
. حطيت حد لكل العيلة عشان كرامتك وكرامة بنتنا. فاضل بس إنك تحني عليا وتسامحيني من قلبك.. أنتي وبنتي كل حياتي.” أنا بصلت له، ودموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع راحة.. حسيت إن كرامتي اتردت كاملة، وإن جوزي المرة دي وقف راجل بجد وحمى بيته من أطماع الغل. قربت منه ومسكت إيده وقومته، وقبل ما أنطق بالكلمة اللي هترجع حياتنا..
التليفون رن برقم غريب، ويونس فتح السبيكر، وكان الصوت اللي طالع من التليفون بيصرخ بذعر: “لحق يا يونس! أمك وقعت ونقلوها المستشفى وفي حالة خطر وبتقول عايزاك قبل ما تمـ,ـوت!” ساد الصمت الشقة لثوانٍ معدودة بعد الكلمة دي، صوت الصراخ في التليفون كان يرن في الأذان كأنه جرس إنذار. يونس التليفون وقع من إيده على الأرض، وشه اتقلب أصفر زي الورق، وبص لي بعيون مليانة تخبط وضياع؛
بين وجعه منها ومن اللي عملته فيه وفي بيته، وبين واجبه كابن مش قادر يتخيل إن أمه ممكن تروح منه وهي غضبانة عليه. مسكت إيد يونس بسرعة وقوتها بين إيديا، وقولت له بنبرة ثابته ومفيهاش أي تردد: “يلا يا يونس.. تجري فوراً على المستشفى، أمك مهما عملت تفضل أمك، وأنا وبنتك جايين معاك.” يونس بص لي بنظرة ذهول وامتنان عمره ما هيساه، دموعه نزلت وهو بيسحب مفاتيحه ومسك إيدي وإيد مكة، وخرجنا بنجري زي المجانين.
وصلنا المستشفى، وكانت العيلة كلها ملمومة في الطوارئ؛ خاله، وأخوه، وأخته، الكل واقف وشه أصفر ومتوتر. أول ما شافوا يونس قادم ومسك إيد مراته وبنته، محدش قدر ينطق كلمة ولا يوجه لي نص كلمة عتاب. الدكتور خرج من أوضة العناية المركزة، وشه كان مشدود وقال: “أزمة قلبية حادة نتيجة انفعال وضغط عصبي شديد.. الحمد لله لحقناها في آخر لحظة والمؤشرات بدأت تتضبط، بس هي طالبة تشوف ابنها يونس وحور وبتها بالاسم.
. ادخلوا لها بس بلاش أي انفعال.” دخلنا الأوضة بشويش. حماتي كانت نايمة على السرير، الأجهزة متوصلة بجسمها، وشها دبلان، وعينيها دبلانة ومطفي منها كل طغيان وقوة الغل اللي كان فيها. أول ما شافت يونس داخل، عينيها اغرورقت بالدموع، ومدت إيدها المترعشة ناحيته. يونس جرى عليها وجثى على ركبه جنب السرير، مسك إيدها وباسها وهو بيعيط: “ألف سلامة عليكِ يا أمي.. فداكِ عمري كله.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.