بس بنعتقد إنه من الأفضل نعرف مين أبو لولو الحقيقي.” حد ضحك ضحكة عصبية خفيفة. قريب تاني عمل نفسه بيكح. بنتي بدات تعيط. وتيسير افتكرت إنها كسبت. كانت مستنياني أترعش. مستنياني أترجاها إن رامي يدفع عني. كانت مستنية دموع، إنكار، دوشة—مشهد تقدر بعدين تستخدمه عشان تقول: “شايفين؟ ما هي طول عمرها مش متزنة.” بس أنا باست شعر بنتي. تنفسست. وابتسمت.
عشان جوة شنطتي، تحت المناديل المبللة، الببرونة، بسكوت الطوارئ، والروج اللي ما لحقتش أحطه، كان فيه ظرف مقفول بختم معمل تحاليل. وتحت الظرف ده، كان فيه ظرف تاني. تيسير مكنتش تعرف حاجة عن الظرف التاني. ودي كانت غلطتها. اسمي داليا سالمان. عندي اتنين وتلاتين سنة. ربيت في شقة صغيرة في العجوزة مع أمي اللي كانت شغال في إدارة مستشفيات وأبويا اللي كان مسئول عن اللوجستيات في شركة نقل.
مكنش عندنا بيت مصيف، ولا بورتريهات زيتية، ولا عضويات نوادي، ولا لقب عائلي بيفتح الأبواب. كان عندنا استقرار. أمي كانت بتكوي قمصانها يوم الحد. أبويا كان بيصلح العربية بنفسه وعلمني أزاي أغير فردة كاوتش قبل ما يعلمني أزاي أسوق. أعياد الميلاد كانت تورتة فرن العيش، وحاجة ساقعة، وولاد عمي بيجروا فير الطرقة، وكراسي مستلفة من الجيران. عمر ما ده كسبب لي كسوف. حاولوا يعلموني الكسوف ده بعدين.
لما قابلت تيسير الشاذلي لأول مرة، أول حاجة بصت عليها كانت جزمي. رامي أخدني على العشاء في بيت أهله في الزمالك، بيت كبير وهادي بحديقة مثالية لوحاته باين عليها إنها بتعنّف أي حد مش مولود في العالم ده. قبل ما ندخل، ضغط على إيدي. “ماما ممكن تكون شديدة، بس مش قصدها حاجة وحشة.
” بعد سنين، فهمت إن “مش قصدها حاجة وحشة” هي الكلمة اللي الرجالة بيقولوها لما بيتربوا قريبين أوي من القسوة لدرجة إنهم مبيقوش قادرين يتعرفوا عليها. تيسير فتحت الباب وهي لابسة ملابس كريمي ولؤلؤ. قالت: “داليا”، وهي بتمط اسمي كأنها بتجربه لو كان ينفع يدخل بيتها. على العشاء، سألت أهلي بيشتغلوا إيه قبل ما تسأل أي حاجة عني. ولما رديت، ابتسمت بأسف مصقول: “ناس مجتهدة أوي.” بلغتها، ده كان معناه فقراء، بس مقبولين.
رامي ضحك بسرعة، بيحاول ينعمها. أنا ابتسمت عشان كنت عايزة أتعرف بيهم ويعجبوهم. وهكذا بدأت القصة. تيسير بتشتم بلطف. رامي بيترجم ببراعة. وأنا ببلعها بأناقة. والكل كان بيسمي ده انسجام. الست اللي تيسير كانت دايماً تتمناها لرامي هي ندى. ومفيش حد قالها صراحة في الأول، عشان في العيلة دي، القسوة كانت بتلبس جوانتي. بس ندى كانت بتظهر في كل عزومة كمقارنة. “ندى لسه مقفلة مشروع عقاري في الساحل.
” “ندى من عيلة صلبة أوي.” “ندى عندها انضباط يثير الإعجاب.” ولما كنت حامل في الشهر الثامن، وورمانة وتعبانة، تيسير قالت: “ندى بتلعب بيلاتس كل يوم. وعيها بجسمها مبهر.” قعدت هناك ولولو بتخبط في ضلوعي. بعدين رامي قال لي: “ما تاخديش الموضوع بشكل شخصي. ماما بس معاييرها عالية.” بس دي مكنتش معايير. ده كان احتقار متزبر بعطور غالية. لما لولو اتولدت، افتكرت إن فيه حاجة ممكن تتغير.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.