عيون زرقاء وكبرياء مكسور

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

عيون زرقاء وكبرياء مكسور حكايات منال عباس الاول في عيد ميلاد بنتي الأولاني، حماتي رفعت الكاس قدام العيلة كلها، وراحت شاكة في مين أبو البنت الحقيقي عشان عيون بنتي كانت ملونة. الكل كان مستنيني أعيط ومنهارة، لحد ما طلعت ظرفين من شنطتي وحطيت الحقيقة قدامهم على الترابيزة. بنتي كانت لسه متعلمة تسقف. وعشان كده، في الأول، الكل ضحك. كانت “لولو” قاعدة على حجرى وفستانها الأبيض أبو كشكشة، وإيديها الصغيرة بتخبط بخفة على قميصي.

عيونها الزرقاء الواسعة كانت باصة على النور اللي في القاعة كأن كل لمبة نجمة جديدة. كانت بتكمل سنة، وبوتاج شعر طري نازل على جبهتها مهما عدلته، وفيه فبروت بسكوت على بؤها عشان اتعلمت خلاص إن في العزومات الكبار بينشغلوا والبيبيهات بيستغلوا الفرصة. القاعة كانت مليانة ورود بيضاء، ومفارش إستنكار، وكاسات بحرف ذهبي، وقرايب بيتكلموا بصوت واطي، كأن الفلوس كمان ليها صوت بيتعرف من علو النبرة.

كانت حفلة جميلة. جميلة زيادة عن اللزوم. النوع ده من الحفلات اللي معمول للكباره مش للبيبيهات، عشان يوروا الناس هما يقدروا يدفعوا كام. حماتي، “تيسير”، كانت مصممة تعملها في نادي خاص في الزمالك، النوع ده من الأماكن اللي الألقاب والعائلات فيه بتهم أكتر من الدعوات، والستات بيسلموا عليك بذوق وهما بيقيسوا جزمك من فوق لتحت.

أنا كان نفسي في حاجة بسيطة في بيت أهلي—تورتة فانيليا، وبالونات ملونة، ولولو تملى وشها شوكولاتة من غير ما حد يعمل فيها مذهول. بس جوزي، “رامي”، كان قال لي: “ماما متحمسة. سيبيهاتعمله. دي حفيدتها البكرية.” حفيدتها البكرية. كأن لولو دي تخصها هي كمان. كأن أنا كنت مجرد رحم مستأجر. الساعة سبعة وأربعين دقيقة بالليل، تيسير رفعت الكاس.

القاعة هديت. كانت بتملك القوة دي. مش محتاجة تزعق. خبطة بسيطة بمعلقة على الكريستال، والكل بيلتفت. شعرها الأصفر مصبوغ بظبط، وفستانها الأخضر الغامق لا غبار عليه، وعقد الليرز بينور، وابتسامتها كانت ابتسامة ست قضت عمرها كله تدخل أماكن مفيش حد بيجرؤ يقول لها لا. قالت: “أنا عايزة أنخاب عشان لولو. الطفلة الجميلة دي اللي بتكمل سنة النهاردة.” منال عباس همسات ناعمة ملت القاعة. لولو رجعت تسقف تاني، ومبسوطة بالاهتمام. ضميتها لصدري أكتر.

وبعدين تيسير بصت لها. مش نظرة جدة. نظرة قاضي. كملت بصوتها الحلو اللي بتفتحه جروح من غير ما توسخ إيديها: “مع إني لازم أقول حاجة. عيلة الشاذلي عيونها عسلي من خمس أجيال. جوزي، ولادي، أهلي، أجدادي… الكل. وفجأة تطلع لنا الطفلة دي بعيون زرقاء كده؟” القاعة اتغيرت. مبقيتش فضيحة فورية. كانت أسوأ. سكتة. نقلة. تيار من الفضول، والحكم المسبق، والقسوة الأنيقة.

لولو بطلت تسقف ودفنت وشها الصغير في رقبتي، وهي مستغربة الحدة المفاجئة اللي في الجو. الأطفال مش بيفهموا كلمات زي نسب، خيانة، سمعة، أو ميراث. بس بيفهموا الأماكن. بيحسوا إمتى المكان يبطل يبقى آمن. رامي كان واقف جنب مامته. وإيده كانت محطوطة على ظهر كرسي “ندى”. التفصيل ده فضل معلم في دماغي أكتر من الورود، التورتة، أو المصور اللي واقف جنب ترابيزة الحلويات. إيد جوزي على كرسي الست اللي مامته كانت دايماً تتمناها ليه.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
مس

محمود سيد ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
103مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

ادهم وليلي روايات

ادهم وليلي

ست سنين وأنا بالنسباله مجرد إيده اليمين الست اللي عارف عنها كل حاجة، وبتحلّ له كل مشاكله ق…

محمود سيد 0.0 7 دقائق