كنت تقريبًا هضغط على زر الاتصال وأتدخل. لكن مالك بص لها. مد إيده. وأخد قطعة تفاح. وأكلها. الحركة الصغيرة دي هزتني أكتر مما كنت أتخيل. نورهان ماكانتـش بتتجاهل ابني. كانت بتعامله كأنه إنسان طبيعي. ⸻ يوم الخميس، عاصفة شديدة كانت بتضرب المنطقة، ونورهان كانت بتعمل لمالك جلسة العلاج الطبيعي. رجله كانت محتاجة حركة يومية علشان تمنع التيبس الشديد. لكن الجلسات كانت غالبًا بتنتهي بدموع. من خلال الكاميرا، شوفت نورهان وهي بتحرك رجله الشمال. مالك شد جسمه.
إيده قبضت على الملاية. ودمعة نزلت على جنب وشه. جسمي كله اتشد. كفاية. كنت لسه هفعل جهاز الاتصال وأطلب منها توقف. لكن نورهان وقفت. وقالت: — بص لي يا مالك. فتح عينيه. قالت: — إنت بتكره ده. سكتت لحظة. — بتكره الكرسي. وبعدين: — وبتكره البيت ده. مالك فضل باصص لها. ثم قالت جملة حسيت إنها دخلت في صدري زي الس/كينة: — وبتكره إن أبوك بيبص لك كأنه واقف في جنازة. اتجمدت مكاني.
أنا؟ أنا كنت ببص لابني كأني في جنازته؟ كملت نورهان: — من حقك تكون غضبان. اللي حصل لك مش عادل. وبعدين لمست ركبته برفق. — بس لسه عندك اختيارات. مالك ماحركش عينه عنها. قالت: — ممكن تستسلم… وسكتت ثواني. — أو تفضل محافظ على جسمك جاهز. قربت منه أكتر. — الدنيا مش هتوقف علشان حصل لك شيء وحش. إنت اللي لازم تقرر إذا كنت هتكمل معاها ولا لأ. مالك فضل باصص لها كام ثانية.
وبعدين حصل شيء ماشفتهوش من أكتر من سنة. شفايف ابني اتحركت. قربت من الشاشة وأنا متأكد إني بتخيل. نورهان قربت منه هي كمان. ومالك فتح بقه… علشان يتكلم. ولأول مرة من أكتر من سنة، كان ابني على وشك ينطق كلمة. حكايات بسمة ولأول مرة من أكتر من سنة، كان ابني على وشك ينطق كلمة. صوت خافت جدًا، طالع بالعافية من حنجرته كأنه خارج من بئر مهجور، صوت مكسور ومخنوق من كثرة السكوت: — مـ… مش… خايف.
نورهان ما ابتسمت ابتسامة النصر، ولا جريت تحضنه، ولا عملت الحركة التمثيلية اللي كانت بتعملها المربيات القدام لما يعمل أي إنجاز بسيط. هي بس هزرّت رأسها بهدوء شديد، وكأن الكلمة دي كانت متوقعة، وكأن طفلي لم يفقد النطق أصلًا! قالت له بصوت جاد وثابت: — عارفة إنك مش خايف. الغضبان ما بيبقاش خايف يا مالك، الغضبان بيبقى مستني.
وإحنا مش هنضيع وقتنا في الخوف.. يلا نكمل التمرين عشان لما تطلب منك الدنيا تقف، تكون جاهز للوقوف. أنا كنت واقف في غرفة المراقبة، إيدي بتتغذى على حرف الترابيزة خشية إنها تترعش. الدموع اتجمعت في عيني لأول مرة من يوم الحادثة. ابني اتكلم! الكلمة طلعت منه مش ليا.. طلعت لنورهان، الست الغريبة اللي دخلت بيتي ببالطو كحلي قديم وشنطة جلد متهالكة.
في الليلة دي، ما عرفتش أنام. كنت بقعد أراجع شريط الكاميرات من أول ما دخلت نورهان البيت. الحركة دي.. الأسلوب ده.. طريقتها في حزم المشرط الطبي وقت فحص جلد مالك، إيدها المليانة ندوب صغيرة عند المفصل.. دي مش ملامح ولا حركات ست اشتغلت في رعاية كبار السن وبس. قمت من مكتبي وناديت على مدحت، مسؤول الأمن، في نص الليل.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.