العقد القديم

نُشر منذ أسبوع
حفظ
غلاف المقال

لكن فرحة اللقاء المعجز كانت قصيرةً على نحوٍ قاسٍ، إذ خيّم عليها ظلٌّ قاتم. فالحقيقة التي لا تُنكر بأن شارلوت حيّة تعني أن التقريرين الشرطيّ والجنائي قبل ثلاثةٍ وعشرين عامًا كانا كذبةً مُلفّقة. كان هناك من حرّف مسرح الدــ,,ـــــادث، ومن أخفى عمدًا أن إيفلي قد وضعت مولودها قبل أن تسلّم روحها للنيران.

بدافع عطشٍ لا يُروى إلى العدالة والحقيقة، انطلق سيباستيان وشارلوت والمحقق الخاص كول في سباقٍ خطر مع الزمن نحو أشباح الماضي. قادتهم تحقيقاتهم إلى الجبال الباردة، إلى حافة الهاوية نفسها التي سقطت فيها سيارة العائلة.
هناك، دلّهم شاهدٌ منسيّ—ممرضةٌ ريفية مسنّة—على طريقٍ يقود إلى أكثر أحياء المدينة ظلــ,,ـــــمةً وخطورة، بحثًا عن «إلياس الأعرج»، المتشرّد الذي أصبح حارسًا غير متوقّع للطفلة.

وبعد أن غاصوا في أزقة البؤس، وجدوا إلياس متحصّنًا في برجٍ صدئ داخل مخزن حبوبٍ مهجور. وما إن رأى وجه شارلوت—الشبيه بوجه المرأة الشجاعة التي حاول إنقاذها في لحظاتها الأخيرة—حتى أسقط سلاحه وبكى بحــ,,ـــــرقة. اعترف بصوتٍ خشن بالحقيقة القاسية لتلك الليلة العاصفة: إيفلي، بساقين محطمَتين وجسدٍ محترق، زحفت كلبؤةٍ جريحة عبر الغابة المتجمّدة لتلد في الطين والثلج، متوسّلةً إليه أن ينقذ طفلها من رجالٍ مسلّحين بلا وجوه صدموا سيارتها.

وفى إلياس بوعده، وأخفى الطفلة في ميتمٍ مجهول، المكان الوحيد الذي لا تصل إليه يد الطمع الملوّثة بالدم.

غير أن وحوش الماضي لم تكن لتسمح بانكشاف الحقيقة بهذه السهولة، ولا بأن ينهار ذلك البناء الهائل من الأكاذيب الذي استغرق تشييده سنوات طويلة من الخداع والتلاعب والدماء. ففي اللحظة التي كان فيها إلياس يفرغ ما في صدـ,,ـــره من أسرارٍ دفــ,,ـــــنها الزمن، وبينما كانت كلماته تتساقط كحجارة ثقيلة فوق قلوبهم، دوّى فجأة صوت تحطّم الزجاج في أرجاء المكان، كأن السماء نفسها انشقت، تبعه صفير حادّ لرصاصٍ اخترق السكون واخترق معه ما تبقى من شعورٍ بالأمان.

تجمّد الجميع للحظة، لحظةٍ قصيرة لكنها كانت كفيلة بأن تغيّر مصيرهم إلى الأبد. أدرك سيباستيان، بغريزته التي صقلتها سنوات من الصراعات، أن النهاية التي هرب منها قد لحقت به أخيرًا. لم يكن هذا هجومًا عشوائيًا، بل كان تصفيةً مدروسة، ضــ,,ـــــربةً أخيرة لإغلاق الملف إلى الأبد.

في لمح البصر، كانت فرقة من المرتزقة المدججين بالسلاح قد أحاطت بالمبنى من كل جانب. رجال بملابس سوداء، وجوههم مخفية، وحركاتهم منضبطة كأنهم آلات صُممت لل. فقط. لم يتركوا مجالًا للشك: لقد جاءوا لينفذوا حكمًا لا رجعة فيه.

وسط هذا الجحيم المفاجئ، تحرك كول بسرعةٍ خاطفة، كأنه كان يتوقع هذه اللحظة منذ البداية. صرخ بصوتٍ حاد: “اخرجوا الآن!”، بينما كان يفتح طريقًا لهم بإطلاقات دقيقة ومدروسة. أمسك سيباستيان بيد شارلوت بقوة، كأنها الشيء الوحيد الحقيقي في عالم بدأ ينهار من حوله، وسحبها خلفه دون تردد.أما إلياس، فرغم سنه وجسده المنهك، فقد أظهر شجاعة لم يتوقعها أحد، إذ قادهم نحو ممرٍ ضيق يعرفه منذ سنوات، ممرٍ كان في الماضي مجرد طريق هروب من قسوة الشوارع، لكنه اليوم أصبح خط النجاة الوحيد.

تردد صدى الانفجارات في الخلف، وعندما ضغط كول على المفجر، اهتزت الأرض تحت أقدامهم، وانفجرت الأنفاق القديمة، مطمورةً خلفهم كل أثر، وكل طريق يمكن أن يسلكه مطاردوهم. كان ذلك تضحيةً صامتة، قرارًا يعرف كول أنه قد يكلّفه حياته، لكنه لم يتردد.انطلقوا بعدها إلى الغابة، حيث الظلام الكثيف كان يبتلع كل شيء.

لم يكن هناك طريق واضح، فقط حدسٌ يقودهم، وخوفٌ يدفعهم للأمام. جلس إلياس خلف مقود شاحنةٍ قديمة بالكاد تصمد، لكنها كانت خيارهم الوحيد. دارت المحركات بصوتٍ خشن، وانطلقت المركبة تشقّ الطريق بين الأشجار.

في الخلف، كانت الأضواء تقترب، مركبات سوداء تطاردهم بلا رحمة، وصوت الرصاص يملأ الهواء كعاصفة معدنية. أمسك سيباستيان بسلاحه، وعيناه ثابتتان كالجليد، وأطلق النــ,,ـــــار بدقةٍ قاتلة، مستهدفًا الإطارات والمحركات، لا بدافع الغضب، بل بدافع البقاء.أما شارلوت، فكانت تعيش لحظة لم تختبرها من قبل.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
مس

محمود سيد ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
103مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

ادهم وليلي روايات

ادهم وليلي

ست سنين وأنا بالنسباله مجرد إيده اليمين الست اللي عارف عنها كل حاجة، وبتحلّ له كل مشاكله ق…

محمود سيد 0.0 7 دقائق