تردد للحظة في الدخول ، وهناك صراع داخلي بين خوفه مما قد يراه ، وبين يقينه بضرورة الاطمئنان عليها ، حسم أمره أخيرًا ، مقنعًا نفسه أنه لابد من التأكد أنها لم ترتكب حماقة. خطا إلى الداخل بخطوات متثاقلة مشبعة بحذر غريزي ، بينما عيناه تجولتا في كل ركن بالمكان ، لكنه لم يجد لها أثرًا ، حتى وقع نظره على حوض الاستحمام ، اتسعت عيناه بدهشة امتزجت بضحة مليئة بالتعجب وهو يراها ممددة داخله ، كأنها طفلة صغيرة غارقة في نوم هادئ ، غير واعية بما أثارته من فوضى داخله.
جلس على حافة الحوض ، يمرر يده على شعره بتوتر ، وهو يرمقها بنظرة لا تخلو من الذهول من تصرفها الغريب : يخربيت جنانك! إيه اللي منيمك في البانيو كده؟بدأت تستفيق ببطء على صوته الساخر ، وجفونها تتحرك بتثاقل ، لكنها لم تجب ، تابع بصوته الحازم ، مشوبًا بتوتر حاول إخفاءه : قومي من عندك .. يلا قومي رفعت رأسها نحوه ، وتثاءبت بنعاس ، متمتمة بنبرة مشحونة بالضيق : إيه؟ ما تزعقش .. دا انت مزعج!! مدت يدها إليه بتكاسل وهي تقول برقة : هات إيدك .
. قومني أمسك يدها سريعًا بسخط مكبوت ، ولم يستطع كبح نبرة التوبيخ التي تسللت إلى صوته : ماينفعش تنامي في الحمام! عايزة تتلبسي ولا إيه؟ رفعت ساقها لتخرج من الحوض ، وقالت بعناد طفولي : أنا كنت نايمة؟ لا محصلش ارتفع حاجبه بتهكم خفيف ، ليقول بإبتسامة ساخرة : يخربيت الكذب اللي في دمك ده! رمقته بتثاقل ، وصوتها خرج بتيه : هنروح فين؟
أطلق ضحكة عفوية ، وهو يقول بنبرة هازئة : هنخرج من الحمام يا تايهة تمتمت بسخط ، وهي تواصل طريقها نحو الباب : يا تقل دم أمك يا شيخ! حبس الضحكة في حلقه ، لكن زوايا قلبه ارتجّت بجنون مكبوت ، يعصف بكيانه وهي تتجسد أمامه بهذا الجمال العفوي المثير ، طولها القصير وحركاتها العشوائية البريئة لم تزد النــ,,ـــــار إلا اشتعالًا لإلتهامها ، وكأنها تناديه بلا وعي لتروي عطشه الذي يكاد يفتك به.
طرد تلك الأفكار من رأسه سريعًا ، وتبعها بخطوات ثابتة وهو يردد بصوت أجش : حاسبي .. حاسبي الباب! ردت ابريل بتلقائية ، وهي تفتح الباب دون أن تنظر إليه : أكيد ما كنتش هدخل فيه! _طيب .. تعالي من هنا تمتم بحنق وهو يلاحقها نحو الصالة ، حتى توقفت فجأة وإلتفتت إليه بوجه يعتليه عبوس محبب : أنا عطشانة _هجيبلك ميه؟ هزت رأسها برفض سريع لقوله ، قبل أن تشير إلى زجاجة على الطاولة : لا مية إيه!
حرام الإزازة دي ما تلاقيش حد يشربها اندفعت فور انتهائها من حديثها نحو الزجاجة ، تقبــ,,ـــــض عليها بكلتا يديها بحماس ، تحاول فتح الغطاء وهى ترجها بإصرار ، فاقترب منها بخطوات سريعة ، وهو يقول بتحذير هزلى : حاسبي يا مجنونة .. كده هتنفجر! عايزنا نستحمي بيها مش نشربها؟ خطفها من يديها بحركة واثقة ، وفتح الغطاء بسهولة جعلتها تتنهد غيظًا ، قائلا بنبرة تجمع بين السخرية والدعابة : دا انتي ماكنتيش عارفة تفتحي كنز شويبس .
. ناسية ولا أفكرك؟ رفعت عينيها نحوه ، وقد تلبّست ملامحها بعبوس مرتبك ، ثم تمتمت بغيظ : يا علي قلبك الأسود!صبّ قليلًا في الكأس ومدّه نحوها بابتسامة جانبية ، نظرت إليه بدهشة ، ثم رفعت حاجبها وهي تقول بلهجة متذمرة : أنت مديني الكاس فاضي! إيه دا؟ مرر أصابعه عبر خصلات شعرها ، فشعرت بدفء يسرى فى أوصالها ، ونبرته خرجت عميقة كهدير منخفض : كفاية دول على قدك .. عشان ماتتعبيش بملامح يكسوها شبح حزن دفين ، تمتمت بشرود فجأة : تعرف .
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.