كنت أسمع صوت أجهزة مراقبة النبض القادمة من خلف أبواب غرفة العمليات المغلقة كأنها دقات ساعة تحسب ما تبقى من عمر أبي… أو ما تبقى من حياتي الهادئة التي ظننت أنني بنيتها على أساس من الصدق والاستقرار. وقفتُ وسط الممر ممسكًا بالظرف البني الثقيل بين يدي. كانت المحامية إيمان رشدي ترتدي بذلة رسمية داكنة، ونظراتها تنم عن صرامة واحترافية بالغة، لكن عينيها كشفت عن قدر كبير من الشفقة تجاهي.
سألتُها بصوت مبحوح خرج بصعوبة ما الذي يعنيه كلامكِ يا أستاذة إيمان؟ ماذا يوجد داخل هذا الظرف؟ ولماذا رانيا بالتحديد؟ أشارت المحامية نحو مقاعد الانتظار الخشبية في زاوية هادئة بالقرب من العناية المركزة، وقالت بصوت خفيض أستاذ كريم… والدك عم حسن جاء إلى مكتبي منذ يومين فقط. كان جسده مجهدًا للغاية، لكن عقله كان في أوج صفائه وثباته.
أخرج من جيبه ألف جنيه، وقال لي هذا كل ما أملكه الآن، وأريدكِ أن تراجعي لي هذا الملف وتثبتي صحة الأوراق قانونيًا. ولما قرأتُ الملف، أدركتُ فورًا أن هذا الرجل اقتطع القوت من فمه، وحمل الإهانة في بيت ابنه، ليحميك من خطة طُبخت بدم بارد. جلسنا على المقاعد. كان الظرف في يدي يحــ,,ـــــرق أناملي. انحنيت للأمام، وبدأت أصابعي المرتجفة تفك الشريط اللاصق الذي يغلقه.
أخرجتُ ما بداخل الظرف كانت هناك أوراق رسمية قديمة، وصور لمستندات صادرة من إحدى دور الرعاية والتكفل بالقاهرة، إضافة إلى تقرير طبي مختوم بختم رسمي حديث، ورسالة مكتوبة بخط يد أبي، الخط المائل الخشن الذي أعرفه جيدًا منذ صغري عندما كان يكتب لي الملاحظات على أوراق دراستي. فتحتُ رسالة أبي أولاً، وبدأت أقرأ كلماته التي كتبت بجهد واضح ابني وحبيبي كريم… إذا كنت تقرأ هذه السطور الآن، فهذا يعني أن الأجل قد دنا، وأنني قد أكون عند رب كريم لا يظلــ,,ـــــم عنده أحد.
أعلم أنك عاتبتني في سرك لأنني طلبت منك المال، وأعلم أن زوجتك رانيا رأت فيّ رجلًا عجوزًا يشكل عبئًا على حياتكما… لكن يا بني، ما أردتُ أن أكون عبئًا، بل أردتُ أن أكون السند الذي يقيك الغدر قبل أن تفقد كل شيء. يا كريم… قبل خمس سنوات، عندما تقدمت لخطبة رانيا، كنتَ تظن أنك اخترت فتاة من عائلة متوسطة بسيطة، وأن التوافق بينكما هو سبب نجاح هذا الزواج.
لكن الحقيقة التي أخفيناها عليك لسنوات، هي أنك لست ابني البيولوجي يا كريم. أنا وأمك الراحلة لم نرزق بأطفال، وتكفلنا بك من دار رعاية وأنت طفل ابن أربعة أشهر، وأحببناك أكثر من أنفسنا، وكتبنا كل ما نملك باسمك. لكن السر لم يمت يا بني… دار الرعاية التي أتيت منها كانت تدار بواسطة عائلة صغيرة في القاهرة، ومنذ سنتين اكتشفتُ بالمصادفة أن والد رانيا كان أحد المحاسبين الماليين المسؤولين عن تلك الدار في التسعينات، وأن هناك سجلاً كاملاً يتضمن أسماء الأطفال المكفولين والعائلات التي تولت رعايتهم والأموال التي كُتبت بأسمائهم!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.