بص للصورة. وبعدين بصلي. الطفل كان لسه نايم على صدري، وإيده الصغيرة ماسكة في هدومي. قلت: — أنا أول مرة أشوف الصورة دي. صوته خرج ضعيف لأول مرة: — مستحيل. — إيه اللي مستحيل؟ قرب من الصورة، ومد إيده ناحية وجه الست من غير ما يلمسها. وقال: — دي مراتي. سكت. ثم بصلي مباشرة. — وأم ابني. قلبي وقع. — وإيه علاقتها بيا؟ ماردش. فضل ساكت ثواني طويلة.
وبعدين قال جملة خلت كل حاجة حواليا تختفي: — لأن مراتي ماتت من تسع شهور… وقبل ما تموت بأيام، قالتلي إن ليها أخت توأم محدش يعرف عنها حاجة. بصيت للصورة مرة تانية. وبعدين بصيت للطفل اللي نايم في حضني. وفي اللحظة دي، الطفل فتح عينه… وبص في وشي. وابتسم. أما أبوه… فكان لسه واقف قدام الصورة، وعينيه مليانة خوف. لأنه فجأة بدأ يفهم حاجة أنا نفسي ماكنتش أعرفها.
أنا ماكنتش مجرد بنت شبه مراته. كان في سبب خلّى ابنه يعرفني من أول نظرة… وسر مدفون بقاله سنين، كان على وشك يخرج للنور. حكايات بسمة السر اللي كان على وشك يخرج للنور ما كانش مجرد صدفة قدرية أو تشابه ملامح.. كان الدليل الحي على خيانة ودموية المافيا اللي حطت أختي تحت التراب ورمتني أنا في القاع من غير ما أعرف أصلًا إن ليا توأم! ماركو..
زعيم عائلة “الفالكون”، الراجل اللي القيادات والأجهزة الأمنية بتعمله ألف حساب، وقف قدامي وعينيه بتتنقل بين وشي وبين الصورة المظلمة المعلقة جنب البار. إيديه كانت بتترعش بذهول مكتوم، راجل متعود يأمر فيطاع، ويفاجئ الكل، لقيته قدامي واقف مذهول ومسلوب الإرادة قدام طفل صغير وجمجمتي. الطفل “ليو” حرك رأسه الصغير ونزل صوابعه الرقيقة على المريلة المبلولة بدموعي اللي نزلت من غير ما أحس.
كان بيتنفس بهدوء عجيب، كأنه رجع لحضن أمه بعد طول غياب. ماركو قرب مني بخطوات بطيئة، صوت جزمه الجلد الضخمة كان هو الصوت الوحيد الصادر في المطعم المهجور اللي أصحابه وقفوا متجمدين برة الأبواب بجهد الحراس. وقف على بعد شبر واحد مني، ونزل عينيه لمستوى عينيّ وقال بصوت جاف زي صحراء ناشفة: — “سارة”.. أختك التوأم، أخدوها مني ومن عيلتها وهي عندها سنة واحدة في عملية تصدير وتجارة أطفال قديمة عملتها عائلة “الروسو”.
. العائلة المنافسة لينا. أختك رجعتلي لما كبرت، بس مكانتش تعرف إن ليها أخت تانية عايشة.. لحد ما اكتشفت الوراق قبل وفاتها بأسبوع واحد بس! شهقت بصوت واطي وأنا بحضن البيبي أكتر: — ماتت إزاي؟ وليه محدش دور عليا؟ عينين ماركو تحولت لكتلة من جمر الاشتعال، والندبة اللي في خده اتشدت بقسوة: — ماتت في حادثة سيارة مصفحة تم تفجيرها على طريق الساحل.
. حادثة كان مترتب لها بدقة. وسارة وهي بتلتقط أنفاسها الأخيرة في المستشفى، حطت إيدها في إيدي وهمستلي: “ابني مش هيهدأ غير مع أختي.. دور على نور يا ماركو، دور على نور في القاهرة..” أنا قعدت 9 شهور بقلب مصر حارة حارة يدور على اسمك، وتاركي ليكي المشرط والقدر هو اللي جابني المطعم ده الليلة! في اللحظة دي بالضبط.. صوت ضرب نار برة المطعم هز الزجاج بالكامل!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.