طلب ابني التوقف عن زيارته

نُشر منذ أسبوع
حفظ
غلاف المقال

هذه المرة لم يطلب مني أن أنقذه. طلب مني أن أرافقه. وهذا كان مختلفًا تمامًا. ذهبنا معًا إلى المصرف. ثم إلى كاتب العدل. ثم إلى الجهات المختصة لتقديم بلاغ بمحاولة التزوير والاحتيال. أنا حملت الملف البني المعتاد. أما سيف فحمل ملفًا جديدًا خاصًا به. كان مرتبكًا وغير منظم، لكن المهم أنه أصبح يتحمل مسؤوليته بنفسه. عندما علمت مريم بما حدث انفجرت غضبًا. اتصلت بي لتتهمني بأنني أسيطر على ابنها.

وقالت إن الأم الحقيقية تجمع العائلة ولا تفرقها. أجبتها مرة واحدة فقط العائلة ما تنبني على التواقيع المزورة، ولا على الأقساط اللي يدفعها شخص ممنوع حتى من دخول البيت. ثم أغلقت الخط وحظرت رقمها. لم يصمد زواج سيف طويلًا بعد ذلك. ولم تكن الشقة وحدها السبب. كانت فقط الضوء الذي كشف ما كان مخفيًا. ظهرت ديون بطاقات ائتمانية لم يكن يعلم عنها شيئًا. وظهرت مشتريات مخفية. وقروض أُخذت باسمه أو بالاعتماد على اسمه.

وظهرت رسائل بين مريم ووالدها ينصحها فيها بالصبر على حماتها طالما أنها مستمرة بالدفع. عرض عليّ سيف تلك الرسائل وهو يبكي. لم أقل له ألم أقل لك؟ هناك كلمات تبتلعها الأم لأنها لم تعد تفيد أحدًا. اكتفيت بالقول الآن عرفت الحقيقة… المهم شراح تسوي بعدها. في النهاية تقرر عرض الشقة للبيع. وكان القرار قرار سيف نفسه. تألم كثيرًا.

وأنا أيضًا تألمت. كنت أتخيل حفيدتي وهي تتعلم المشي في تلك الشقة. كنت أتخيل البطانية الصفراء فوق تلك الأريكة. وكنت أتخيل زيارات الأحد العائلية. لكن البيت الذي يقوم على الديون والاستغلال والمرارة لا يتحول إلى منزل حقيقي مهما كان جميلًا. بعد بيع الشقة سُدد القرض بالكامل. ودُفعت الغرامات المتأخرة. واستعدت جزءًا كبيرًا من الأموال التي دفعتها.

ليس كلها. فالمال الذي يخرج متخفيًا بثوب الحب لا يعود كاملًا غالبًا. لكن ما عاد كان كافيًا. رممت منزلي. وتابعت علاجي الذي كنت أؤجله. وأمنت لنفسي مستقبلًا أكثر استقرارًا. أما سيف فاستأجر شقة أصغر بالقرب من مكان عمله. في البداية كان يشعر بالخجل كلما زرته. ليس لأن وجودي يزعجه. بل لأنه أصبح يرى أخيرًا حجم ما تحملته عنه طوال السنوات الماضية.

في أحد الأيام ذهبت لأوصل بعض الدواء لحفيدتي. فتح الباب وقال يمّه، تفضلي… سويت قهوة. بقيت واقفة لثوانٍ. قد تبدو جملة بسيطة. لكنها بالنسبة لي كانت اعتذارًا كاملًا بلغة مختلفة. دخلت. كانت غرفة الجلوس تحتوي على كرسيين وطاولة متواضعة وبعض ألعاب الأطفال المبعثرة على الأرض. لم يكن هناك أي مظهر من مظاهر الرفاهية. لكن كان هناك شيء أهم.

كان هناك احترام. في البداية حاولت مريم استخدام التهديدات في قضية الحضانة. لكن عندما ظهرت ديونها ومشكلاتها المالية خلال الإجراءات القانونية، وافقت في النهاية على اتفاق مشترك. أصبحت حفيدتي تقضي وقتها بين والديها. أما أنا فتعلمت درسًا مهمًا. محبة الأبناء الكبار لا تعني أن تعيش حياتهم بدلًا عنهم. كنت أساعد حفيدتي عندما أستطيع وعندما أرغب. لا عندما يُطلب مني ذلك وكأنه واجب مفروض.

أما سيف، فإذا احتاج شيئًا، أصبح يطلبه بوضوح واحترام. وأحيانًا كنت أوافق. وأحيانًا أرفض. ولم ينهَر العالم بسبب ذلك. أما البطانية الصفراء فقد وصلت أخيرًا إلى صاحبتها الصغيرة. ليس في شقة أبراج دجلة. بل في منزلي. في عصر هادئ كانت حفيدتي نائمة فوق صدري، بينما كان سيف يغسل الصحون في المطبخ. راقبته للحظات. وفكرت بزوجي الراحل.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
مس

محمود سيد ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
103مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

ادهم وليلي روايات

ادهم وليلي

ست سنين وأنا بالنسباله مجرد إيده اليمين الست اللي عارف عنها كل حاجة، وبتحلّ له كل مشاكله ق…

محمود سيد 0.0 7 دقائق